وَمَنۡ أَحۡسَنُ قَوۡلٗا مِّمَّن دَعَآ إِلَى ٱللَّهِ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ

علامات الفكر المتهافت [12]: التناقض في التقويم والعمل بالمعايير

1011 مشاهدة

تمت الإضافة بتاريخ 2023/02/20

 

يصدق العبث ويسري حكمه على كل فكر يخاله تغليب الهوى على ما يُعدُّ الميزان والمعيار في بناء الأحكام فيه، وهو ما يبنى عليه سقوطه، وعدم الاعتداد به على الإطلاق.

والفكر العلماني هذا الأمر قائم به؛ إذ هو قائم على أن المعيار الذي يصار إليه في الحكم بالحسن والصحة في كل ما يعرض للإنسان من أحوال هو المصلحة، وفسروا هذه المصلحة بأنها اللذة، فواجب أن يقبل كل لذيذ ويحمد ويشرع طلبه كيفما كان في – رأيهم -. وموافقة لذلك جعلوا الألم دليل القبح والفساد.

وهذا الأصل أبرزوه على الخصوص في مجاري مناقشتهم للأخلاق، وطرق الكسب المادي وتقويم الأفكار، وإن كان أصلا لهم في غير ذلك؛ إلا أنهم يلغون اعتبار هذا الذي جعلوه معیار الحسن والصحة إذا دخل تحته أمر ديني، وصار بمقتضى أصلهم هذا مصلحة، ويرون أنه ما دام أمرا دینيا ۔ مأخذه هو الدين - فإنه يجب طرحه، وعدم الالتفات إليه، وإن كان مصلحة تشتد الحاجة إليها، ويتوقف عليها صلاح العالم.

ومن المعلوم المدرك بالحس والتجربة المأخوذة من أحوال الناس؛ أن التلبس بالدين الحق والالتزام به يهذب النفوس، ويعالج أمراضها وما ينشؤ عنها من شر، وعذاب، وينشر التآلف والرحمة بين الخلق (مثاله الأوس والخزرج)، بل إنه يكتسب منه الترقي إلى مراتب روحية تغمر قلب من بلغها طمأنينة عميقة وسعادة غامرة ينفصل بها عن التأثر بأمور كثيرة مكدرة، كما يتحصن بها من الإحساس بآلام النوائب والمحن، أو من شدته وغلبته في أدنی الأحوال، وربما اكتسب من ذلك صفة الانسجام التام بين نفسه وبين الموجودات من حوله، حتى إنه ليستمد من أحوال تلك الموجودات (المخلوقات) والحقائق القائمة بها معارف يتغذى بها روحه فيسري مقتضاها في أنحاء النفس والقلب، وبهذا يحصل الأنس الذي به تمام السعادة.

وغير ذلك من جنس هذه المنافع - المصالح - السامية القدر، والعظيمة الشأن.

وهي - كما ترى - مصالح من الضرب الجليل لأنها مصالح نفسية، لكن العلمانيون - كما تقدم - صم بکم عمي عن ذلك، وإذا ذكروا بهذه الحقيقة الواقعية نفروا منها و«استغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استکبارا» وبهذا أنكروا أن الأعمال الدينية - قلبية كانت أو بدنية - يجد فيها أهلها ما به يسعدون، وما به يشعرون بالتميز والاتصاف بالجمال، والإدراك الحقيقي للمعرفة، وحلاوة الحياة وغير ذلك، مما يعد لذة ومتعة.

هبها لذة ومتعة وهمية، ماذا يضيرك أنت أيها العلماني من أمر الحقائق والأوهام في هذا الشأن، أليست الغاية من هذه الحياة كلها - في نظرك - اللذة والمصلحة النفسية والمادية؛ فها هي حاصلة لهم، فلم تنكر عليهم تمتعهم بها، وإغراقهم في التلذذ بها!! دعمهم ينتشون ويستمتعون بما هم فيه.

ثم ألم يكن الكسب المادي عندكم بأي وجه حصل هو الغاية؟! فلم تنکرون إذن على الذين تدعون - زورا وبهتانا - بأنهم يتخذون الدين وسيلة لهذا الكسب، وتصفونهم بأقبح الأوصاف؟!

فهل الدين عندكم مقدس فلا يصح اتخاذه وسيلة لهذا الأمر - وهو الكسب المادي - لأنه منحط في نظركم أو عقلكم - الباطني - ولكن تترفعون عن البوح به؟!

لا ريب أن هذا التصرف العلماني يهدم أصلهم هذا، ويقضي بالقطع بأن هؤلاء الناس عبثيون مهرّجون، صاروا إلى هذا الحال بحقدهم على الدين، وأهله.

فلم كل هذا الحقد والكره، أين الإنصاف یا من يدعون أنهم يحكمون بالعقل؟!

وهذا اللعب بالمعايير هو ما عليه جماعة من الناس ينتسبون إلى الإسلام؛ وذلك لأنهم إذا سئلوا عما يعتمدون عليه من الأدلة يقولون النصوص الشرعية «نصوص من القرآن والسنة» وما أخذ منها بطرق صحيحة منقولة شرعًا؛ لكنهم إذا طلب منهم عرض فتاوى شيوخهم على هذا الأصل أعرضوا، فنقضوا هذا الأصل الشرعي المجمع عليه بين المسلمين.

يتبع ...

شارك على:

إضافة تعليق

أوقات الصلاة

القائمة البريدية

للتوصل بجديد الموقع وتفريغات الدروس والمحاضرات المرجو الاشتراك بإدخال بريدك الإلكتروني إشتراك

تابعنا على الفيسبوك

إحصاءات الموقع

متصل الآن:2

اليوم:30

الأمس:289

هذا الأسبوع:2007

هذا الشهر:8428

هذه السنة:103538

منذ البداية:334205